الرئيسية | الأراء | الفعل البيداغوجي: من التقويم إلى الدوسيمولوجيا

الفعل البيداغوجي: من التقويم إلى الدوسيمولوجيا



يطرح الفعل البيداغوجي، راهنا، أسئلة مقلقة فرضتها المرحلة، فأصبحت تمتلك طابعا استعجاليا، بل عرفت محاولات، إصلاحي، بحثا عن الحلول، اعترافا منها بالأزمة التي ظلت تتخبط فيها، بعضها قارب الوضعية، واستطاع ملامسة الخلل، والبعض الأخر سقط في مماحكة زاغت عن المسار الإصلاحي، مردها، يعود بالأساس، إلى النظرة أحادية الجانب، تلك التي تتصف بالتجزيئية، أي عزل عنصر عن الباقي، الأمر الذي كان يستلزم دراسة علمية تركيبية، شمولية، بحكم حركية الظاهرة البيداغوجية، وتداخل أطرافها، وانسجام تركيبتها. 
قبل الخوض في السياق العام الذي تندرج فيه العملية التربوية، لابد من الضبط المفاهيمي، من باب التوطئة من جهة، ومن جهة أخرى خلق الأرضية الأنسب، خاصة أن جملة المصطلحات الأساسية، المرتبطة، تتبادر إلى الذهن بمجرد فتح النقاش بصدد قضية التربية، يتعلق الأمر بمفاهيم: النظام التربوي و المنظومة التربوية، العملية التربوية، والفعل التربوي .

إذا كان النظام التربوي هو ذلك النسق التركيبي، الذي يملك طابعا تكامليا ضمن علاقة تفاعلية متشابكة بمجموعة نظم، تشكل بناء كليا ومتماسكا لبنيات المجتمع المتعددة، فهو يرتبط ارتباطا وظيفيا بفلسفة التربية، التي يضمن تنزيلها الجيد تحقيق الغايات والمرامي .
أما المنظومة التربوية هي مجموعة عناصر مترابطة، بشكل تفاعلي، من حيث الأدوار، في إطار استراتيجية محددة سلفا، لخدمة الأهداف العامة، فتركيبة عناصرها ترتبط جدليا بالبعد الوظيفي، مما يجعل البناء يخدم الوظيفة .
من هذا المنطلق، يظهر أن النظام التربوي أعم وأشمل من المنظومة التربوية، فالأول يتضمن السياسة العامة التي تدخل ضمن اختصاصات المؤسسات، فمن أدوارها الأساسية تبني فلسفة تنسجم والخصوصيات البيئية والثقافية، وتختزل، في شموليتها، مجموع البنيات الفكرية لنظم المجتمع، إلى جانب الغايات التي تساهم تركيبة النظم الاجتماعية في تحقيقها .
أما المنظومة التربوية فتقتصر على أهداف عامة وأخرى خاصة، كما تهتم بتقديم تربية جيدة في محيط تربوي جيد، كما تضم مكونات تراعي النفسي والاجتماعي، وتنطلق من صلب الخصوصيات المجتمعية، وتتشكل المنظومة البيداغوجية من : البرامج والمناهج، الطرائق والأساليب. إلى جانب الحياة المدرسية بكل تجلياتها و أبعادها، باعتبارها وعاء للاستثمار.
لقد ارتبطت العملية التربوية، في شقها التعليمي، بمقاربة على درجة كبيرة من الأهمية، جعلتها لاتقف عند حدود الممارسة في خط الاسترسال اللامتناهي، بل فرضت التوقف النوعي في فترات محددة، قصد تشخيص الوضعية، ثم إصدار الحكم، للوصول إلى النتائج، وهو ما ينعت "بالتغذية الراجعة المستمرة"، التي يعرفها أغلب الدارسين بإحاطة الفئة المستهدفة بمستوى الأداء ودرجة الفعل التعلمي خلال مواقف معينة، بهدف استثمار النتائج في بناء التعلمات، تصحيح الأخطاء التعلمية، و اكتساب مهارات تساعده على بناء معارف جديدة، لهذا فهي شكل من أشكال التقويم، هذا الأخير الذي يمتلك أنماطا متعددة، حسب الفعل المراد تقويمه، فهو يختلف باختلاف الفترة المقصود تقويمها، والفعل المراد تقويمه.

يعتبر التقويم آلية لاكتشاف درجة الإيقاع التعلمي، لأجل الحكم على مدى نجاعته أو عدمها، وخطة مرحلية ترتبط بالنتائج المراد تحقيقها، واستخلاص الحلول البديلة، ولحظة توقف، منهجي، لطرح الأسئلة بصدد عناصر العملية التربوية، فهي تفرض تقنيات معينة، وتعتمد على الدوسيمولوجيا و القياس، منهاجا، لتجسد مرحلة الحسم في بناء التعلمات، لارتباطها بالجانب العلاجي/ التصحيحي .
يختلط مفهوم التقويم بالتقييم، فعلى مستوى الاشتقاق، و تلخيصا لما تم تداوله من مساهمات ثمينة في الموضوع، فإن التقييم: يضم، في ثناياه، كلمة قيمة، أي عملية إعطاء قيمة أو تقدير لفعل ما، وإصدار حكم انطلاقا من تشخيصه، لكن التقويم: فهو منهاج يبدأ من معرفة القيمة، لكنه لا يتوقف عند حدود المعرفة، بل يتعداها إلى مرحلة معرفة الأسباب، ثم علاجها بالبحث عن الحلول.
إن الفعل التربوي، باعتباره مسؤولا عن بناء شخصية الأفراد، والسبيل الناجع لتقديم الجيد، في إطار منظومة القيم، يفرض في هذه الفترة بالذات، لحظة توقف، عقلانية، تفرض عمليتين: تشخيصا موضوعيا من خلال تقييم المنحى، وتبيان أسباب الإخفاق، ثم نهج أفضل السبل قصد البحث عن الحلول باعتماد التغذية الراجعة المستمرة. 

عبد الحفيظ زياني


التعليقات الواردة اسفله تعبر عن رأي اصحابها و ليس رأي موقع أصوات الدريوش


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

المزيد في الأراء

الأراء