الرئيسية | الأراء | مثقفون ومثقفون

مثقفون ومثقفون


تحت مطر خفيف بمتحف «مينيا تورك»، المفتوح على سماء الله، وقفنا نغني مقاطع من «القلب يعشق كل جميل». عندما انتهينا باغتني يقول: «صدقني إن قلت لك إنني لم أعرف فنانا عربيا بثقافة وعمق رشيد غلام». زمَّ كل منا شفتيه حسرة على هذا الفنان الذي استجار ببرد المنافي من دفء الوطن الحارق. انصرف هو ملتحقا بصديقه أحمد منصور الذي كان يتفرج على غنائنا من مقهى المتحف، وأكملت أنا جولتي بين مجسمات كبرى المعالم التركية. كان لقائي هذا بالإعلامي المصري، الممانع، محمد ناصر، مباشرة بعدما أنهى الرئيس رجب طيب أردوغان كلمته على هامش توزيع جوائز «جبل الزيتون».

‎أكثر ما أثارني في كلمة أردوغان، خاتمتها التي كانت عبارة عن قصيدة لنزار قباني في مديح القدس. ارتجلها الرئيس فيما كان المترجم الفوري يعيد كلمات القصيدة في إثره، كما هي في أصلها العربي، بإيقاعها ورويِّها، ففهمت أن إدراج القصيدة في الكلمة المرتجلة لم يكن مرتجلا، بل أعد له الرئيس خصيصا للقاء يحضره صحافيون ومثقفون عرب.

‎في الليلة التي وصلت فيها إلى إسطنبول، جلسنا إلى طاولة العشاء. كان الكلام يأخذنا (صديقاي التركيان منال وإبراهيم وأنا) من حديث إلى حديث، إلى أن سألتهما عن أوضاع الصحافيين في تركيا، وكثرة الاعتقالات التي جعلت هذا البلد، الذي يتقدم بإدهاش في سلم التنمية، يتقدم أيضا في لوائح البلدان الأكثر اعتقالا للصحافيين ومصادرة لحرية التعبير؟ جاهد صديقاي التركيان، وهما صحافيان محترمان، في ربط الاعتقالات بالإشادة بالإرهاب، وكانا يقصدان بالأساس حزب العمال الكردستاني، وأن موجة الاعتقالات الكبيرة جاءت في سياق استثنائي عقب محاولة الانقلاب على الرئيس، وتورط بعض الصحافيين فيها. «حتى من يتعرضون، من الصحافيين والمثقفين المعارضين، لحياة رئيس الدولة بالسب والتعريض، لا يتم اعتقالهم، بل يتابعون بقانون الصحافة»، يضيف إبراهيم ومنال. لم يكن بمستطاعي أن أجاري محاوريَّ التركيين في التفاصيل، فاكتفيت بالقول إنني أثق في مصداقية العديد من المنضمات الدولية التي تصنف تركيا واحدة من أكثر البلدان تضييقا على حرية التعبير والصحافة.

‎أنهينا هذا الحديث عن شجون وسجون الثقافة والصحافة في تركيا بصمت معبر.

‎وأنا أنسحب باتجاه غرفتي، لم أكن أفكر سوى في واقعنا المغربي الذي أصبح صدر السلطة فيه يضيق كثيرا بالصحافيين والمثقفين المستقلين، ويعج بأبواق التشهير والبروباغاندا التي تدغدغ كبرياء السلطة… فكرت أيضا في المجلس الوطني للصحافة، الذي شِبنا ونحن نتطلع إلى خروجه، وكيف سيكون ممثلا معنا فيه اتحاد كتاب المغرب، الذي يقسم رئيسه المثقفين إلى صنفين؛ من هنأه على حصوله على الوسام الملكي، ومن لم يهنئه، والذي بدلا من أن يعقد مؤتمر الاتحاد، انشغل بجرجرة زميلة له إلى المحاكم. كما سيكون ممثلا معنا المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي انتهت ولايته، وأصبح أمينه العام يملأ وقته بدل الضائع بالاتصال بالنساء المُستنطقات في ملف توفيق بوعشرين، معربا لهن عن تحامله على صحافي مكبل اليدين، كان في طليعة المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فكرت في كل ذلك وأنا أقول: لا بأس، فرغم كل هذه المضحكات المبكيات، فالمغرب يعرف فرزا حقيقيا بين مثقفين حقيقيين (intellectuels)، وبين مثقفين بالمعنى المغربي الدارج، مصابين بثِقاف يربطهم إلى شجرة السلطة التي تظلهم بظلالها وتطعمهم من ثمرها، ولا تطلب منهم سوى أن يكونوا صدى لصوتها.


التعليقات الواردة اسفله تعبر عن رأي اصحابها و ليس رأي موقع أصوات الدريوش


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

المزيد في الأراء

الأراء