الرئيسية | الأراء | التنظيمات السياسية بين الاستراتيجية والمؤامرة

التنظيمات السياسية بين الاستراتيجية والمؤامرة


كثيرة هي الأجساد السياسية التي باتت تعاني أزمات داخلية، إن صح التعبير، البعض يصفها بالصحية، ويختزلها في ما ينعت بالحركات التصحيحية، والآخر يطلق عليها عبارة» المؤامرة « لدرجة أن جل هذه الكائنات السياسية باتت تعيش نفس الوضع، وتمر بنفس الأزمات، رغم اختلاف الحدة أو تسمية الأشياء بغير مسمياتها، أو بفعل التعتيم وإخراس الألسن . 

من منطلق معاينة وتتبع للشأن السياسي، خصوصا عند فترات تجديد الأجهزة والقيادات، على اعتبار أنها فترات تفتح أبواب المعلومة على مصراعيها، حيث يصبح التكتم أمرا غير ممكن بسبب سيادة جميع آليات نقل الخبر وشروطه، فما يميز هذه اللحظات أنها تلعب دور الحسم في هذا المفصل الهام من تاريخ تلك التنظيمات، بدون مزايدات ولا إسقاطات على الكل، فالأكيد أن هناك استثناءات، بالكاد فإن محطات كهاته، كثيرا ما تفرز أزمات قد تحكم عليها إما بالاستمرارية رغم التذبذب، وإما بدخولها النفق المسدود، فتجدها، في الفترات التي تلي محطات تجديد دمائها، تلج معارك هامشية وخاسرة، فتنهك ذاتها الداخلية في بدل جهد أكبر يكلفها خسارة  طاقاتها البشرية، المادية والأدبية، في سبيل إنقاذ الداخل من بطش الداخل، وهو ما يقال عنه : صراع الذات، إنها ظروف كفيلة بخلق حالات تراجع خطيرة إنذارا بالموت الكلينيكي، وهي مرحلة قد تحدد القادم من المصير .

ما يثير الاستغراب، كون العلل سالفة الذكر تظهر سوى في أوقات معينة، وهو أمر يصعب تفسيره أحيانا، من منطلق الحياد التام، واعتماد النهج الموضوعي البعيد عن اقتناص المصالح والامتيازات، فلا بد من الجزم بوجود عامل يتفرع إلى عنصرين أساسيين ومحوريين، هما الاستراتيجية والمؤامرة .

إن هذين العنصران تربطهما علاقة رغم الفرق الظاهري الشاسع بينهما، لقد استمد مصطلح استراتيجية من مسألة الحرب، فهو مرتبط بالقتال، والمعركة، وأمور من هذا القبيل، فلكل فيلق، أو جيش استراتيجيته، تلك التي تمكنه من الفوز، أو النصر في عرف القتال، بل سببا رئيسا في حسم النتيجة النهائية، لدرجة أن انعدامها، أو عدم نجاعتها قد تخلق الإخفاق والفشل، كما يمكن تسميتها بالخطة، ويبقى هذا الأخير أشمل وأعم، فلكل عمل ناجح خطة ناجحة، ناجعة ومرتبة، من شروطها الهامة طابعها العلمي المختبري، والعكس دائما صحيح، فغياب الشروط الجيدة لخطة عمل ما، سياسي، اجتماعي، تربوي، اقتصادي... ينتج عنه الفشل، والخسران المبين، فكناية هذا النوع من المبادرة، أو الممارسة، بالاستراتيجية، يضفي عليه طابعا إيجابيا و مشروعا، بل في أحيان كثيرة يكون إلزاميا وإجباريا، وإلا فالعمل يصبح ضربا من العشوائية والعبث، مما يجعل أمر استمراريته مرهونة بالهزيمة، وقرينة الفشل .

فأما عن المؤامرة : فهي كل الأعمال والأساليب غير المشروعة، واللا أخلاقية في معناها الفلسفي، لا الديني، فهو نعت يتم استخدامه قصد وصف أعمال وممارسات فئة معينة، أو توجه معين، لإضفاء الطابع الإسقاطي عليه، ونزع الشرعية منه، كتبرير لممارسات ونعتها بغير المشروعة، كأسلوب من أساليب التبرير واستخدام الحجج لتقوية هذا الموقف أو ذاك، فهو مصطلح يستعمل في فترات الصراع، رغم كونه يمارس في جل الأوقات والفترات، تجسيدا للمقولة المعروفة، والتي باتت معيارا في الممارسات السياسية، وهو قول يلخصه التوجه المكيافيلي : « الغاية تبرر الوسيلة» مما يبين المغالاة في البراغماتية، النقيض مع البيت الشعري، الذي يعتبر مرجعا في الممارسات الأخلاقية : « إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا».

لعل الأزمات الداخلية للكيانات السياسية، غالبا ما تفرز توجهين متناقضين، فيجد المتتبع نفسه أمام تيارين متضاربين، مما يخلق تسونامي  الصراعات و تبادل الاتهامات، فيصعب تحري الضبط والدقة، كون الحقيقة غالبا ما يطغى عليها طابع التشويش، وهي أطروحة تجعل من الأهمية بمكان اعتماد القول الكنتي الذي اعتبر ولا زال مرجعا في تحليل الإشكاليات» إن كلا النزعتين مصيبة فيما أثبتت, مخطئة فيما أنكرت» .


التعليقات الواردة اسفله تعبر عن رأي اصحابها و ليس رأي موقع أصوات الدريوش


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

المزيد في الأراء

الأراء